في العقد الماضي، أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر موثوقية وجاذبيةً للأعمال، وذلك لكونه حلّاً اقتصادياً يوفّر الكثير من ساعات عمل الموظفين ويستطيع العمل على مدار الساعة. ومن ذلك المنطلق، عمدت شركات صناعة السياحة والسفر والفندقة مؤخراً إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لتسهيل حياة المسافرين حول العالم وتغيير الطريقة التي يخططون بها رحلاتهم، بدءاً من جدولة الرحلات، والخدمات المقدّمة في المطارات، إلى استكشاف المطاعم والمتاحف والأماكن الترفيهية، والخدمات الفندقية.

تملك الشركات اليوم القدرة على جمع كمياتٍ هائلةٍ من البيانات وتخزينها وتحليلها، مما يعطيها القدرة على تمكين حلول الذكاء الاصطناعي وتوظيفه في المهام التي تكسبها سمعةً جاذبةً للعملاء، وتحسين تخصيص الخدمات والتوصيات المقدّمة للعملاء، وضمان الاستجابة السريعة. فلم يعد المسافرون بحاجة إلى زيارة وكالات السفر لحجز الرحلات أو البحث عن أماكن إقامة، وأصبح مساعدو الذكاء الاصطناعي وروبوتات الدردشة الذكية أكثر شيوعاً، كما أن توافقها مع وسائل التواصل الاجتماعي يجعلها أكثر سهولةً ليستخدمها العملاء وأكثر وصولاً إليهم.

من المتوقع أن يصبح السفر وحجز الرحلات والأنشطة السياحية أكثر تخصيصاً للاحتياجات الفردية بفضل إمكانيات الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن للأنظمة الذكية أن تتكامل مع أجهزة اللياقة البدنية القابلة للارتداء والساعات الذكية، فتستطيع تطبيقات الهاتف الذكية مراقبة الظروف الصحية للمسافرين والركاب، وتقترح لهم أنشطةً أكثر أماناً ومساراتٍ أقل ازدحاماً أثناء التنقل وأكثر ملائمةً لهم.

ككل القطاعات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي، فإن استخداماته في قطاعي السفر والسياحة تقوم بشكلٍ جوهري على جمع البيانات وتحليلها، إذ تجمع الشركات بيانات العملاء وتوقعاتهم ورغباتهم وتحللها من أجل استخلاص الرؤى حول العملاء والممارسات التجارية واستراتيجيات التسعير ونحوها من المعلومات التي تفيد الشركة في صياغة استراتيجيتها. وتبرز أهمية الذكاء الاصطناعي في قدرته على فرز كمّيات هائلة من البيانات بسرعةٍ وبدقة أكبر وبأخطاءٍ أقل من البشر، حيث تستخدم بعض الفنادق الكبرى الذكاء الاصطناعي لفرز تعليقات العملاء من المراجعات واستطلاعات الرأي عبر الإنترنت، ومن ثم بناء صورة واضحة حول رضا العملاء واحتياجاتهم في الوقت الفعلي.

تحليل بيانات البحث

تُعد التوصيات المخصصة هي التطبيق الأكثر قيمة للذكاء الاصطناعي في قطاع السياحة والسفر والضيافة، حيث تعمل خوارزميات تعلم الآلة بتحليل بيانات العملاء وتقديم اقتراحات مخصصة تلقائياً مثل التوصيات التي تقدمها امازون أو نتفلكس.

ويُشير تقرير أوراكل إلى أن 47% ممن شملهم التقرير يرون أن العروض الترويجية القائمة على الذكاء الاصطناعي والمستندة على عمليات الشراء السابقة ستحسن تجربتهم، وأشار 26٪ منهم أنهم سيكررون زيارة الفنادق التي تقدم هذه الخدمة مراراً.

يُنشئ محرك التوصية المدعوم بالذكاء الاصطناعي اقتراحاتٍ بناءً على استعلامات البحث التي يجريها العميل، ويتعلم محرك البحث من البيانات التاريخية للمستخدمين وبيانات الوقت الفعلي. فإذا بحث العميل عن رحلات جوية من مدينة الرياض إلى جدة، ستقدّم له توصيات حول الفنادق وخيارات الإقامة في جدة، وإذا قام مسافر بالبحث عن البحر والشواطئ، فستوصي محركات البحث المخصصة بالمنتجعات والفعاليات البحرية في المدينة.

6220aab6ac7b7e62d15dc93e_مقال السفر.jpeg تستخدم رؤية الحاسوب في التعرّف على الأشخاص في المحطات والمطارات

رؤية الحاسوب

تكتسب تقنية رؤية الحاسوب شعبية كبيرة في قطاع السفر والسياحة عبر تطبيقها في التعرف على الوجه، حيث يمكن من خلال رؤية الحاسوب تحديد هوية الشخص أو التحقق منها، كما يمكن التقاط الأنماط الموجودة على وجوههم وتحليلها ومقارنتها، واستخدام الشبكات العصبية الاصطناعية في معالجة بيانات القياسات الحيوية وإنشاء المرشحات التي تحوّل تفاصيل الوجه من صورة إلى ميزات رقمية، ثم مقارنتها بقاعدة بيانات لتحديد أوجه التشابه.

ولقد بدأت العديد من المطارات في أنحاء العالم في استخدام تقنيات التعرف على الوجه لتمكين السائحين من خوض تجربة المرور بلا أوراق عبر بواباتٍ داخلية متكاملة للقياسات الحيوية، وأدخلت الذكاء الاصطناعي في عمليات تسجيل الوصول وفحص المستندات لتتم بوتيرة أسرع وأكثر راحة للمسافرين.

معالجة اللغة الطبيعية

روبوتات المحادثة وخدمة العملاء عبر الإنترنت هي من أكثر الاستخدامات إثارةً وأهميةً للذكاء الاصطناعي، وهي برامج حاسوبية قادرة على إنتاج محادثة طبيعية عبر الإنترنت تشبه محادثة الإنسان، وتوفر ردوداً في الوقت الفعلي على استفسارات العملاء عبر الرسائل النصية أو الصوتية. وتعتمد روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي على معالجة اللغة الطبيعية لتحويل النص إلى تنسيق يمكن للنظام فهمه، وتلتقط الأنماط داخل الرسائل الواردة وتفرز الكلمات والعبارات، وتستخدمها للتنبؤ بما يرغب به العميل وتقديم الإجابة المناسبة.

وفي قطاع السياحة والسفر، تأتي أهميته من تقديم المساعدة للعملاء عبر الإنترنت باختلاف لغاتهم وثقافاتهم، ما دفع الكثير من الجهات المعنية بهذه الصناعة إلى توظيف روبوتات الدردشة على نطاق واسع في تطبيقات المراسلة الفورية. حيث تتميز بقدرتها على تقديم معلومات قيمة للعملاء حتى في حالة عدم توفر مندوب خدمة العملاء، وهذه نقطةُ جوهريةُ في خدمة السياح والمسافرين الذين يتطلعون للحصول على استجابة في أسرع وقتٍ ممكن، ووفقاً لإحصاءات قوقل، فإن واحداً من كل ثلاثة مسافرين دوليين يهتم باستخدام روبوتات الدردشة لتخطيط رحلته وحجزها.

6220ab9089449dfb2d5f8c1d_مقال السفر ٢.jpeg *روبوتات الدردشة هي من أكثر تقنيات الذكاء الاصطناعي استخداماً في خدمة العملاء *

تطبيقات تجارية

على المستوى المحلّي، يقود صندوق التنمية السياحي السعودي تنفيذ استراتيجية سحابية لتكامل البيانات وتمكين المستثمرين لتطوير قطاع السياحة السعودي، ويجري ذلك بالتعاون مع أوراكل لتوفير بنية تحتية تدفع الأتمتة والحلول الذكية في الخدمات السياحية بما تتضمنه من الخدمات المصرفية الأساسية والتمويل والموارد، ويزدهر سوق الحلول الذكية في قطاع السياحة في جوانب خدمية مختلفة منها تحليل مشاعر العملاء من خلال وسائل التواصل، حيث تستفيد شركات الطيران والفنادق من الذكاء الاصطناعي في تحديد مشاعر المسافرين من خلال وسائل التواصل الاجتماعي في الوقت الفعلي.

على سبيل المثال، حصل موقع TripAdvisor وحده على 884 مليون رأي وتعليق للمستخدمين منذ عام 2020. ولمعالجة هذا الحجم من البيانات يُستخدم ما يُعرف بتحليل المشاعر، وهو التنقيب عن النص بواسطة تقنيات معالجة اللغة الطبيعية وتعلم الآلة الخاضع للإشراف لاكتشاف المشاعر الإيجابية أو السلبية أو المحايدة ودراسة ما يفكر فيه العملاء بسرعةٍ وكفاءة، وابتكار الحلول التي تلبّي تطلعاتهم. ولقد أظهر تقرير صدر عام 2019 أن 86% من الأشخاص يهتمون بوجهة سفر معينة بعد مشاهدة منشورات مستخدمين آخرين عبر الإنترنت.

من تطبيقات حجز الرحلات والفنادق الشهيرة تطبيق Hoppers، وهو عبارة عن قاعدة بيانات ضخمة تحوي على تريليونات المدخلات من أسعار الرحلات الجوية الماضية، ويعتمد على خوارزميات تعلم الآلة للتنبؤ بأسعار الفنادق ورحلات الطيران مع تقديم توصيات مخصصة للمستخدمين حول أنسب وقت لحجز رحلاتهم. ولقد استطاع التطبيق أن يوفّر على المسافرين حوالي 40% من تكلفة رحلات السفر في المتوسط، وتستخدمه الفنادق وشركات الطيران لتعديل الأسعار وفقاً لتطلعات العملاء.

ومن تطبيق الذكاء الاصطناعي في روبوتات الدردشة شركة إيدي ترافيل Eddy Travels الحائزة على جائزة أفضل شركة ناشئة عام 2019 في ليتوانيا، حيث تقدم روبوت محادثة ذكي يعمل على موقع ويب خاص ومتوافق مع برنامج التلجرام، ويستفيد منه أكثر من 200 مليون مستخدم نشط لمساعدتهم في البحث عن صفقات الرحلات الجوية، والعثور على أماكن الإقامة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، والحصول على توصيات التجارب والأماكن الملهمة في السفر.

يحمل تطوير قطاع السياحة في المملكة العربية السعودية فرصاً أمام روّاد الأعمال، حيث تستثمر الشركات الكبرى بكثافة في الذكاء الاصطناعي، مما يمنح الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي ميزةً في قدرتها على معالجة البيانات والربح منها وجذب المستثمرين. كما تهدف الاستراتيجية الوطنية للسياحة في زيادة مساهمة قطاع السياحة من 3٪ إلى 10٪ بحلول عام 2030 واستحداث مليون وظيفة بحلول عام 2030.

سيوفر الذكاء الاصطناعي المزيد من الموارد للشركات الصغيرة والمتوسطة لإضافة قيمة إلى أعمالهم وتوسيع نطاقها لتحقيق التقييم والربح، ويتجه الاهتمام الحالي والمستقبلي نحو عددٍ من المجالات المتعلقة بقطاع السياحة، مثل:

1- مناولة الأمتعة الذكية: لا زالت معظم المشاريع المتعلقة بهذا المجال تجريبية، ما يجعل حلول أتمتة المطارات والتعامل مع الأمتعة المفقودة بذكاء مجالاً واعداً.

2- الروبوتات والمساعد الصوتي: قد تفرض جائحة كوفيد-19 تفضيلات الاجراءات غير التلامسية في عمليات الوصول والمغادرة والخدمة الفندقية، ما يجعل صناعة المساعدين الصوتيين مطلوبةً بكثرة.

3- تخطيط السفر الشخصي: كثيراً ما تحوز الخدمات المخصصة على رضا العملاء. ومع زيادة استخدام الأجهزة الذكية وأجهزة إنترنت الأشياء يصبح تقديم خدمات شخصية متوافقة معها خياراً مفضّلاً.

روبوت الدردشة Chatbot

معالجة اللغة الطبيعية Natural Language Processing (NLP)

تعلم الآلة الخاضع للإشراف Supervised Machine Learning

المساعد الصوتي Voice Assistant