مرّ قطاع الطاقة بتطوّرات كثيرة منذ اكتشاف الإنسان للطاقة وتطوّرت حاجته إليها، حتى أصبح توفرها اليوم أمراً روتينياً وتصل إلى المستهلكين بضغطة زرٍ، وليس عليهم سوى الدفع مقابل هذه الخدمة. ولكن خلف الكواليس، تسابق الدول الزمن بالبحث عن المصادر الأكثر استدامة للطاقة، وهو يدفع الشركات المنتجِة للطاقة على تبنّي أساليب جديدة للاستفادة من منافع التحوّل الرقمي وتفعيل الاستثمار الأمثل من البيانات التي يوّلدها القطاع، سواءً لتطوير الخدمات والتنمية أو لضمان تلبية الاحتياج الحالي والمستقبلي.

يًعد قطاع الطاقة اليوم من أقوى القطاعات وأكثرها ربحاً في الاقتصاد الحديث، حيث تمتلك شركات الطاقة الكثير من البيانات لإدارتها. ولن يتحقق ذلك إلا بالاستعانة بالتقنيات الرقمية، إذ يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في معالجة البيانات وإدارتها بكفاءة أعلى ووقتٍ وتكلفةٍ أقل، وبالتالي زيادة قدرة صناعة الطاقة على المنافسة في ظل الظروف الاقتصادية غير المستقرة، وتطوير أساليب تشغيلية أفضل واكتشاف رؤى جديدة.

ومن التحدّيات التي يُمكن معالجتها بفضل الذكاء الاصطناعي، وأكثرها أهمية هو إدارة الموارد، إذ يمكن تحسين إدارة الموارد إذا عُرفت إحصائيات الاستخدام الحالي والأهداف الاستراتيجية، حيث تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي التحكم في استهلاك الطاقة وإدارته وتقييمه، والتنبؤ بالطلب للاستعداد له، والتنبؤ بالمشاكل والأعطال لتجنبها ومعالجتها استباقياً، وينعكس ذلك على كفاءة استخدام الطاقة، وانخفاض فواتير المرافق والخدمات.

وبشكلٍ عام يُمكن للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية الحديثة أن تصبح عامل تمكينٍ أساسي لتحوّل الطاقة بفضل ما يُمكن استخلاصه من خلال مراقبة بيانات استهلاك الطاقة وتحليلها وتفسيرها. ويمثلان - الطاقة والذكاء الاصطناعي - أوّل خيارين أشار لهما الشريك المؤسس لمايكروسوفت، بيل غيتس، في منشورٍ له عام 2017 كأبرز المجالات لمن أراد أن يترك تأثيراً على مستقبل الحضارة.

يُصنّف قطاع الطاقة من القطاعات الغنية بالبيانات، فهي أحد الأصول الأكثر قيمةً لديها، وعلى مزوّدي الطاقة أن يطوّروا من قدرتهم على تخزين البيانات وقراءتها وتحليلها بشكلٍ صحيح، خاصةً إذا أرادوا اكتساب ميزةٍ تنافسيةٍ ومواجهة تحدّيات الأعمال المعقدة. وتأتي "الشبكات الذكية" كناتج لدمج الشبكات الكهربائية مع عدة تقنيات حديثة، وبشكلٍ أدق هي نتاج مزج الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والبيانات الضخمة مع صناعة الطاقة الكهربائية، وتعرف الشبكة الذكية بأنها شبكة توصيل للطاقة مؤتمتة بالكامل، تتحكم وتراقب كل مستهلك بما يضمن تدفقاً ثنائي الاتجاه من الطاقة الكهربائية والمعلومات.

ستلعب تقنيات إنترنت الأشياء دور العين واليد لهذه الشبكة، إذ تجمع الحساسات الدقيقة مختلف البيانات على امتداد سلاسل القيمة وتستجيب لها في مراحل صناعة الطاقة الثلاث: التوليد، التوصيل، التوزيع. وسيكون الذكاء الاصطناعي بمثابة عقل الشبكة، بحيث تُستبدل الشبكات الإقليمية الكبيرة بشبكاتٍ صغيرةٍ متخصصةٍ تدير احتياجات الطاقة المحليّة بدقة، كما يُمكن مستقبلاً إقرانها بتقنيات البطاريات الجديدة التي تضمن استمرار تدفق الطاقة في الظروف الاستثنائية كالانقطاعات المفاجئة وظروف الطقس القاسي.

تُعدّ شبكات الطاقة الكهربائية ومزارع الرياح والألواح الشمسية من المنشآت التي تحتل مساحاتٍ جغرافيةٍ كبيرةٍ وتحتاج إلى مراقبة مستمرة، ويُمكن الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في المراقبة المستمرة، وذلك باستخدام رؤية الحاسوب والطائرات بدون طيّار وتوزيع المستشعرات المختلفة التي تلتقط البيانات على مدار الساعة. ومنها على سبيل المثال، أداة الفحص البصري من قوقل كلاود، والتي تمتاز بقدرتها على تقليل أوقات فحص دون المساس بمستوى السلامة أو الدقة، ويمكن تشغيلها ونشرها في أماكن العمل. فمن خلال تعلم الآلة ورؤية الحاسوب تستطيع انظمة الذكاء الاصطناعي رفع مستوى الجودة للشبكات الكهربائية الذكية، تقليل أوقات انقطاع العمل، وتقليل تكاليف الفحص وإعادة التشغيل.

تحتاج شركات الطاقة إلى مستودع بيانات قابل للتطوير حتى تتمكن من استيراد البيانات ومعالجتها وتحليلها، تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي القوية في تحليلات البيانات لاستخلاص رؤى واقعية دقيقة وقابلة للتنفيذ، بحيث تساعد هذه الأدوات في عمليات فرز البيانات على نطاقٍ واسع، حيث يمكن لخوارزميات تعلّم الآلة تحديد الأنماط والرؤى داخل مجموعات البيانات الكبيرة والتنبؤ بتوقع الطلب على الطاقة، بما يُساعد شركات الطاقة في تحسين اتخاذ قرارات الإنتاج وتقليل احتياطيات التشغيل المطلوبة. بينما يُمكن أن تساعد المستهلكين النهائيين في تقليل فواتير الخدمات عبر تحسين أنظمة البطاريات والطاقة الشمسية المنزلية، وتجنب أوقات الذروة.

ومن أبرز الأدوات المستخدمة في الشبكات الذكية أداة BigQuery، وهي عبارة عن مستودع ضخم للبيانات تديره قوقل بالكامل، تعمل على بث البيانات فورياً وتتضمن في بناءها خوارزميات قوية لتعلّم الآلة، وتدعم الاستعلام باستخدام لغة الاستعلام البنائية أس كيو إل SQL. وتعمل BigQuery على بنية جوجل الأساسية وكونها خدمة مُدارة بالكامل، فهي تسمح للشركات بالتركيز على خدماتهم بدلاً من قضاء الوقت في تطوير التقنية.

العدادات الذكية هي منظومة آلية لتقديم قراءات استهلاك الكهرباء والفوترة فورياً، وتتيح للمستهلكين الوصول إلى بياناتهم ومراقبة استهلاكهم مراقبةً لحظية، ويمكن من خلالها تحديد الأجهزة المعيبة، وتمكين موظفي الإصلاح من إنجاز أعمالهم بسرعة وكفاءة. ومن أهم مزايا العدادات الذكية وكونها قناة لتدفّق ثنائي الاتجاه لبيانات الاستهلاك، أنها تعمل على تحسين وعي المستهلكين بترشيد الطاقة، وتمنحهم معلوماتٍ تفصيلية تساعدهم على تعديل نمطهم الاستهلاكي.

يحتوي العدّاد الذكي على ذاكرة مدمجة لتخزين بيانات الاستهلاك، ويتصل بشبكة اتصال ذكية آمنة على غرار شبكة الهاتف المحمول، ثمّ يُرسل بيانات استهلاكك إلى مورّد الطاقة مباشرةً، ويُرسلها كذلك إلى شاشة داخلية لتُظهر للمستهلك معلومات استهلاكه الفعلي. ولقد أطلقت الشركة السعودية للكهرباء مشروعاً ضخماً في عام 2019 يهدف لتصنيع وتركيب 10 ملايين عداد كهربائي ذكي لجميع المشتركين في المملكة بقيمة 9.5 مليار ريال، وانطلقت أعمال المشروع بالفعل ليغطي جميع أنحاء المملكة خلال الأعوام القادمة.

يُعد تطبيق الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة والشبكات الذكية مجالاً واعداً يحمل الكثير من فرص الابتكار، وتتنوع التطبيقات التجارية القائمة على اختلاف آليات الاستفادة من البيانات التي يولّدها القطاع في تحسين الخدمة، الكفاءة، الاستدامة. وفي هذا المجال تبرز شركة إنيرجي ووركس، حيث تقدّم خدمة إدارة بيانات العدادات الذكية السحابية، وتأتي كحلّ للتعامل مع تزايد مجموعات البيانات المتنوعة، ونقاط البيانات التي يجب التحقق من صحتها، تخزينها، تصنيفها، تجميعها، وتحليلها. حيث أن تحليل البيانات هو العنصر الأهم للحصول على مخرجات مختلفة كتوقّع طلب الحمل، اكتشاف الانحراف، أو حساب الطاقة المعقدة غير المفوترة في أجهزة القياس. وتقدم إنيرجي ووركس حلولاً متكاملة مع أنظمة السوق كمزامنة البيانات مع أنظمة الفوترة وإدارة علاقات العملاء، وإمكانية التحديث المستمر للبيانات للرد على طلبات الفواتير واستعراض بيانات الاستهلاك عند الطلب.

ومن الأمثلة البارزة الأخرى شركة جنرال إلكتريك التي تولّد 30% من الكهرباء عالمياً، وهي شركة صناعية رائدة في مجال تقنيات وخدمات وحلول الطاقة، وتركّز من خلال تبنّيها للتقنيات الحديثة على دمج الذكاء الاصطناعي في سلسلة إمداد الطاقة وتحسين عملياتها التجارية، كما تولي اهتماماً كبيراً في أبحاثها التقنيّة على أبحاث رؤية الحاسوب الأساسية والتطبيقية والتعلّم العميق. حيث يأتي توظيف تقنيات رؤية الحاسوب في أنظمة الفحص المستخدمة في المحطات والشبكات الكهربائية لفحص الأجزاء وكشف عيوب التصنيع أو التشغيل، مثل الحفر، الخدوش، الشقوق، وغيرها من علامات التلف.

كما تبرز عدد من الشركات الناشئة لدعم حلول التحوّل في شركات الطاقة، حيث توفّر شركة أنودوت Anodot الناشئة خدمة التنبيهات والتنبؤات الفورية لمساعدة شركات الطاقة في اكتشاف الأعطال وحلها في أسرع وقتٍ ممكن. بينما تساعد شركة ستيم Stem الناشئة في تقديم حلول ذكية لتخزين الطاقة بالعمل مع أكثر من 80 من مطوّري الطاقة الشمسية في الولايات المتحدة. وفي جانب آخر من الحلول التقنية في مجال الطاقة، تقدّم شركة VIA الناشئة حلّاً مدعوماً بتقنية البلوكتشين لمساعدة شركات الطاقة في جمع البيانات وتحليلها للتنبؤ بسلوك النظام. فيما تعمل شركة بريناف PreNav على مساعدة شركات الطاقة في رقمنة بنيتها التحتية بمساعدة الطائرات بدون طيّار وخوارزميات التعلم العميق لتحديد الأضرار والتهديدات المتعلقة بصناعة الطاقة، مثل التآكل والعزل السيء والشقوق والمسامير المفقودة. وتقدم شركة Bidlies Inc الناشئة خدماتها للمستهلكين عبر تقديم رؤى وتحليلات دقيقة لاستهلاكهم، وتتضمن تحديد وقت ونوع الأجهزة الكهربائية المستخدمة ومدى كفاءتها، وبرامج التقييم وخطط الترشيد الملائمة.

على المستوى المحلي، تعمل شركة الفنار السعودية على تقديم مجموعة واسعة من الحلول لمحطات الطاقة التقليدية والمتجددة، وحلول الشبكات الذكية. حيث تقدّم حلول متكاملة من أنظمة أتمتة التحويل والنقل والتوزيع، منها حلول أتمتة المحطات الكهربائية، ويشمل برامج المراقبة والتحكم والتي تعمل كواجهة تطبيق رسومية بين المشغّل وبقية مكونات النظام، بالإضافة إلى نظام أتمتة توزيع الطاقة الكهربائية المتقدم، وحدة الربط الحلقي الذكية، وأنظمة أتمتة الطاقة لمشاريع النفط والغاز. فيما تهتمّ شركة الإلكترونيات المتقدمة السعودية بنشر التقنيات المتخصصة بالطاقة النظيفة والحلول المتعلقة بتحسين إنتاج واستهلاك الطاقة، حيث توفّر شبكات التوزيع الكهربائية الذكية، وتصنيع العدّادات الذكية ضمن معايير الهيئة الدولية الكهروتقنية، إلى جانب خدمات الأتمتة الصناعية، ونظم المراقبة عن بعد والتحكم، ونظم المراقبة البيئية.

قطاع الطاقة هو من القطاعات ذات الحساسية العالية، والذي يُفضّل صناع القرّار البقاء فيه على الوسائل القديمة عِوضاً عن المخاطرة في التقنيات الحديثة، وهذا أحد أسباب بطء تغلغل التقنية في شركات الطاقة، وهو من جهة أخرى يفتح لأصحاب الأعمال والشركات الناشئة فرصاً لتقريب وتسهيل إدخال هذه التقنية من خلال العمل على أحد التحدّيات الرئيسية فيه، ومنها:

  •      نقص المعرفة النظرية حول دور الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة لدى الشركات وأصحاب القرار.
    
  •      نقص الخبرة العملية التي يُعتمد عليها في قطاع شديد الخطورة كقطاع الطاقة.
    
  •      البنية التحتية القديمة وهي أكبر عائق أمام تطوّر قطاع الطاقة.
    

الشبكات الذكية Smart Grids

الفحص البصري Visual Inspection

العداد الذكي Smart Grids

الهيئة الدولية الكهروتقنية International Electrotechnical Commission