يُعدّ الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً للنمو والابتكار في مختلف الصناعات، ولا يُستثنى قطاع التعليم منها. وعلى الرغم من دخول حلول الذكاء الاصطناعي إلى تقنيات التعليم منذ فترة، إلا أن نموها كان بطيئاً جداً، وظلّ على حاله إلى أن ظهرت الجائحة العالمية في أواخر عام 2019 وغيّرت مشهد التعليم تغييراُ جذرياً، فجعلت التقنية جزءاً أساسياً من العملية التعليمية. وتشير دراسات منصة eLearning Industry أن تمكين أدوات إدارة التعلم القائمة على الذكاء الاصطناعي سيزيد على 47% في السنوات الثلاث المقبلة.

يُطلب من الذكاء الاصطناعي أن يلتزم نموّه في قطاع التعليم بالمبادئ الأساسية للإدماج والإنصاف وألّا يوسّع الفجوات التقنية بين البلدان وداخلها، ليكون الأداة المثالية لمواجهة أكبر تحديات التعلّم والتعليم وابتكار سياساته، وتسريع التقدّم نحو الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة والذي ينص على "ضمان التعليم الجيد المنصِف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع".

تتضمن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والتعليم ثلاثة مجالات: التعلم عن الذكاء الاصطناعي، التحضير للذكاء الاصطناعي ويُعنى بتمكين جميع المواطنين من فهم تأثيره على حياتهم، والمجال الثالث هو التعلم باستخدام الذكاء الاصطناعي ويتضمّن الأدوات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي في الفصول الدراسية والمؤسسات التعليمية عامةً، وهو محور تركيز هذه المقالة. حيث يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة لسد الاحتياج وأوجه القصور في التعليم الحالي، من خلال تخصيص التجربة التعليمية، تبسيط المهام الإدارية، تعزيز ممارسات الكفاءة والفاعلية، بما يسمح للطلاب بوصولٍ أوسع وأجدى، وللمدرسين بصرف أوقاتهم في مهامٍ معرفيةٍ لا تعجز عنها الآلات والتقنية، إذ لا يُمكن بأي حالِ من الأحوال أن تحل التقنية محل المعلّم.

من المتفق عليه منذ أزمانٍ طويلة في مبادئ التعليم أن أفضل طريقة للتعلم هي التي يحظى بها الطالب باهتمامٍ فرديّ من مُعلّمٍ متمّرسٍ في تجربةٍ تعليميةٍ متوازنةٍ بين الدعم والتحدّي، وهو ما لا يمكن تحقيقه في نظم التعليم الحالية إلا من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي لتقديم تجربةٍ تعليميةٍ مخصصةٍ لكل طالب. حيث يُمكن للخوارزميات الكشف عن أنماط أداء الطلاب وقدراتهم ومساعدة المعلمين على تحسين استراتيجياتهم، واقتراح أساليب التدريس والتنويع بينها وفقًا لاحتياجات الطلاب الفردية، وبما يُشجعهم على المشاركة والاستمرارية حال الشعور بالإحباط والملل.

ترتكز التجربة التعليمية المخصصة على توفّر كمياتٍ كبيرةٍ من بيانات الطلّاب، وتصنيفها وتحليلها واستخراج المعلومات منها، لذلك يُعدّ مجال اكتشاف المعرفة واستخراج البيانات من أهم مجالات الذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم، وهو مجالٌ متعدد التخصصات، يُركز على منهجيات استخراج المعرفة المفيدة من البيانات. وتُعدّ خوارزمية شجرة القرار أحد أكثر طرق التعلم الخاضع للإشراف المستخدمة على نطاق واسع لاستكشاف البيانات، حيث تُطبّق على بيانات الأداء السابقة للطلاب لإنشاء نموذج، ومن ثمّ استخدام هذا النموذج لتحليل القرارات والاستراتيجيات المساعدة في تحقيق الأهداف.

نموذج مخطط شجرة القرار

تستخدم أيضاً خوارزمية الانحدار الخطّي المتعدد للتنبؤ بأداء الطلاب المستقبلي في مرحلة مبكرة وبالتالي تقديم المساعدة لهم في الوقت المناسب، والانحدار الخطي المتعدد هو أسلوبٌ إحصائي يستخدم العديد من المتغيّرات التوضيحية للتنبؤ بنتيجة متغيّر الاستجابة، وهدفه نمذجة العلاقة الخطية بين المتغيرات التفسيرية (المستقلة) ومتغيرات الاستجابة (التابعة). حيث يُمكن للأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي مقارنة أهداف الطالب واهتماماته ببيانات أنماط تعلّمه، وبالتالي يتمكن المعلمون من تحديد نوع المحتوى الذي يجب تقديمه للطلاب وأفضل طريقة لتقديمه، ووضع خطة تعالج الفجوات المعرفية لديهم، ونقاط الضعف التي تعيق وصولهم إلى الدراسة الأكاديمية والمجالات الوظيفية التي يرغبون بها.

أدّى دخول الذكاء الاصطناعي إلى قطاع التعليم إلى توسيع قاعدة النماذج التجارية المبتكرة وتنوّعها بين بناء برامج تكيفية مخصصة، محركات توصية، مساعدين رقميين، وغيرها. ففي مجال التجربة التعليمية التكيفية، تقوم منصة ALEKS بتتبع معرفة الطلاب وتحليلها ومن ثمّ تقديم التوصيات، وهي منصة تعلّم وتقييم ذكية يستخدمها أكثر من 25 مليون طالب في الرياضيات والكيمياء والإحصاء والمحاسبة في الولايات المتحدة، توفّر المنصة إمكانية تحديد المعرفة الدقيقة لكل طالب في موضوعٍ ما ومساعدته في العمل على الموضوعات التي هو على استعداد لتعلّمها. وقد طُوّرت ALEKS باستخدام مليارات نقاط البيانات من تفاعلات الطلاب المتراكمة على مدار 21 عاماً، وتدريبها بواسطة تعلم الآلة على تحديد الموضوعات الدقيقة التي يتقنها كل طالب بشكلٍ فعال، والمواضيع التي هو على استعداد لتعلمها، بناءً على إجابته على عددٍ قليلٍ من الأسئلة تختارها المنصة اختياراً مدروساً. وبالتالي تنشئ ALEKS مساراً فردياً وديناميكياً لكل طالب بناءً على الأساس المعرفي، ليمضي فيه بحيث يتعلّم ما يحتاجه ويتقنه.

وفي مجال الاستفادة من روبوتات المحادثة، اختبرت جامعة مورسيا روبوت المحادثة لولا Lola أحد روبوتات شركة 1millionbots المتخصصة. حيث يُزوّد روبوت المحادثة بتقنية الذكاء الاصطناعي للإجابة على أسئلة الطلاب حول الحرم الجامعي ومجالات الدراسة، فاستطاع في غضون أيام قليلة إجراء أكثر من 13 ألف محادثة والإجابة على أكثر من 38 ألف استفسار، وصلت نسبة صحتها إلى 91%. ويستند عمل روبوت المحادثة على تقنية Dialog Flow وهو نظام أساسي لفهم اللغة الطبيعية ومعالجتها، ويُستخدم لتصميم واجهة المستخدم في تطبيقات الأجهزة المحمولة ونحوها. بالإضافة إلى مكتبة Google AI Tensor Flow وهي مكتبة برمجية مجانية ومفتوحة المصدر في مجال تعلم الآلة، تستخدم في تدريب واستدلال الشبكات العصبية العميقة.

تتميز روبوتات المحادثة في المؤسسات التعليمية بقدرتها على الإجابة عن مختلف الأسئلة الأكاديمية والاجتماعية وتقديمها فورياً للطلاب خارج ساعات العمل العادية، دون الحاجة إلى تغيير هيكل الموظفين، كما وُجد أنها زادت من تحفيز الطلاب، وينتج عنها كمٌ كبيرٌ من البيانات التي يُمكن تحليلها والاستفادة منها في تمكين المؤسسات التعليمية من إنشاء برامج مبتكرة.

على الصعيد المحلي، تعاون مركز نمو للتعليم بمدينة الظهران مع شركة Century Tech لإنشاء منصة تعليمية مدعومةٍ بالذكاء الاصطناعي ومصممةً لتلبية احتياجات الطلاب السعوديين. و Century Tech هي شركة تعليمية مقرها لندن، تستخدم الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة لتزويد الطلاب بتجربةٍ تعليميةٍ شخصيةٍ تتناسب مع نقاط القوة والضعف لكل طالب وتتوائم مع سلوكياتهم وعاداتهم الفردية، وتعتمد المنصة على أتمتة التقييم والمساعدة في تخطيط وإدارة التجربة التعليمية بالتكامل مع منصة نمو التي تُعد أول منصة تعلم عربية للذكاء الاصطناعي. ويهدف هذا التعاون إلى إعداد الطلاب السعوديين لتحقيق مستوياتٍ عليا في الاختبارات الدولية الرائدة والانتقال عبر المحتوى العربي إلى مستوى جديد من الكفاءة في اللغات والرياضيات والعلوم.

من المتوقع أن ترتفع قيمة سوق الذكاء الاصطناعي في صناعة التعليم إلى 10.38 مليار دولار بحلول عام 2026م. حيث تظهر حالات استخدام الذكاء الاصطناعي في التعلم تنوّعاً في التطبيقات مثل الذكاء الاصطناعي في التدريب والتعلم والتطوير، والذكاء الاصطناعي في التعليم العالي، التعليم العام، وحتى رياض الأطفال، وتُعدّ الشركات الناشئة التي تعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي جذابة للمستثمرين ولديها إمكانات كبيرة لأصحابها لقدرتها على معالجة مجموعة واسعة من نقاط الضعف. ومن أبرز المجالات التي يرغب سوق التعليم بها هي:

  1.  برمجيات توقع فقدان الموظفين ومنع حدوثه
    
  2.  برمجيات استكشاف المواهب وتقييم المهارات وتطويرها
    
  3.  الأدوات التفاعلية الذكية لتسجيل الطلاب
    
  4.  البرمجيات المساعدة في مراقبة الامتحانات
    
  5.  برمجيات تأمين الأنظمة والحرم الجامعي
    

اكتشاف المعرفة واستخراج البيانات Knowledge Discovery Data (KDD)

شجرة القرار Decision Tree

التعلم الخاضع للإشراف Supervised Learning

الانحدار الخطّي المتعدد Multivariate Linear Regression

تعلم الآلة Machine Learning